محمد بن الطيب الباقلاني

19

إعجاز القرآن

من بين صغير وكبير ، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف - لا يجوز عليهم السهو والنسيان ، ولا التخليط فيه والكتمان . ولو زادوا أو نقصوا أو غيروا لظهر . وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره - على أنه لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن ، ولا أن يحفظ كحفظه ، ولا أن يضبط كضبطه ، ولا أن تمس الحاجة إليه إمساسها ( 1 ) إلى القرآن - لو زيد فيه بيت ، أو نقص منه بيت ، لا ، بل لو غير فيه لفظ - لتبرأ منه أصحابه ، وأنكره أربابه . فإذا كان ذلك مما لا يمكن [ أن يكون ] في شعر امرئ القيس ونظرائه ، مع أن الحاجة إليه تقع لحفظ العربية ، فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن ، مع شدة الحاجة إليه في [ الصلاة التي هي ] أصل الدين ، ثم في الاحكام والشرائع ، واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه : فمنهم من يضبطه لأحكام قراءته ومعرفة وجوهها ، وصحة أدائها . ومنهم من يحفظه للشرائع والفقه . ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره ومعانيه . ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة والبلاغة . / ومن الملحدين من يحصله لينظر في عجيب شأنه . وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة - على كثرة أعدادهم ، واختلاف بلادهم ، وتفاوت أغراضهم - أن يجتمعوا على التغيير والتبديل والكتمان ؟ ! ويبين ذلك : أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور مما بينا ، ومن نظائره في رد قومه عليه ورد غيرهم ، وقولهم : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) ( 2 ) [ وقول بعضهم : إن ذلك سحر ] ، وقول بعضهم : ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ، إن هذا إلا اختلاق ) ( 3 ) إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في الطعن عليه .

--> ( 1 ) س : " مساسها " ( 2 ) سورة الأنفال : 31 ( 3 ) سورة ص : 7